الفتال النيسابوري

396

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

تلقّمت لقمة إلّا ظننت أنّي لا أسيغها أنحصر بها من الموت . ثمّ قال : يا بني آدم ، إن كنتم تعقلون فعدّوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إنّما توعدون لآت « 1 » وما أنتم بمعجزين « 2 » . [ 1415 ] 35 - وروي أنّ صاحبا يقال له : همّام كان رجلا عابدا فقال : يا أمير المؤمنين ، صف لي المتّقين حتّى كأنّي أنظر إليهم ، فتثاقل عن جوابه ، ثمّ قال : يا همّام اتّق اللّه وأحسن ؛ فإنّ اللّه مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون ، فلم يقنع همّام بذلك القول حتّى عزم عليه ، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا عن معصيتهم ؛ لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسّم بينهم معايشهم ، ووضع من الدنيا مواضعهم ، فالمتّقون فيها أهل الفضائل ؛ منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزّلت في الرخاء ، لولا الأجل الذي كتب اللّه لهم « 3 » لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ؛ فصغر ما دونه في أعينهم ؛ فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ،

--> ( 1 ) ليس في المطبوع : « لآت » . ( 2 ) تنبيه الخواطر : 1 / 271 ، عنه البحار : 73 / 166 / 27 . ( 3 ) ليس في المخطوط : « لهم » .